ميرزا حسين النوري الطبرسي
73
دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام
في طول حياته ، وأيّام مهلته ، ولا يتمتع منها إلّا بما يعينه إليها ويصرف تمام عمره الذي هو رأس ماله في مرضاته وحدوده ، فسوّلته نفسه وأغواه شيطانه ، وتزينت له دنياه ، وغرّه إمهال اللّه ، فانهمك في اللذات ، وغمر في بحار التبعات ، إذا تفكّر في يوم الجمع الذي يحضر فيه للعرض والحساب ، ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحقّ وهم لا يظلمون ، ووفيت كلّ نفس ما عملت ، كيف ينام عينه ويطمئن قلبه وهو في شدة واضطراب ، وخيفة من المناقشة وسوء الحساب . قال الصادق ( ع ) : ولو لم يكن للحساب مهولة الإحياء العرض على اللّه تعالى وفضيحتك هتك الستر على المخفيات لحق للمرء أن لا يهبط من رؤوس الجبال ، ولا يأوي إلى عمران ، ولا يشرب ولا ينام إلّا عن اضطرار متصل ، ومثل ذلك يفعل من يرى القيامة بأهوالها وأشدادها ، قائمة في كل نفس وتعاين بالقلب الوقوف بين يدي الجبار ، حينئذ يأخذ نفسه بالمحاسبة ، كأنّه إلى عرصاتها مدعوّ وفي غمراتها مسؤول . وفي صفات الشيعة للصدوق بإسناده إلى أمير المؤمنين ( ع ) أنه قال لأحنف : إنّ اللّه تعالى أحبّ أقواما تنسكوا له في دار الدنيا ، تنسك من هجم على ما علم من قربهم من يوم القيامة ، من قبل أن يشاهدوها ، فحملوا أنفسهم على مجهودها ، وكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على اللّه سبحانه توهموا خروج عنق يخرج من النار ، يحشر الخلائق إلى ربهم تبارك وتعالى ، وكتاب يبدو فيه على رؤوس الأشهاد فضائح ذنوبهم ، فكادت أنفسهم تسيل سيلانا ، أو تطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانا وتفارق عقولهم إذا غلت بهم من أجل المحشر إلى اللّه سبحانه غليانا ، فكانوا يحنّون حنين الواله في دجى الظلم ، وكانوا يفجعون من خوف ما أوقفوا عليه أنفسهم فمضوا ذبل الأجسام ، حزينة قلوبهم ، كالحة وجوههم ، ذابلة شفاههم ، خامصة بطونهم « 1 » تريهم سكارى ، أسهارا وحشة الليل متخشعون ، كأنهم شنان بوالي ، قد أخلصوا للّه
--> ( 1 ) كلح وجهه : عبس . ذبل شفته : شف . خمص البطن : فزع وضمر .